اقتصاديةبحوث ودراساتعراقيةمقالات

موازنة 2023 بين الاداء التقليدي وغياب التنمية المستدامة

بقلم - م.م هاني مالك العسكري / مركز تبين للتخطيط والدراسات الستراتيجية 

اعداد موازنة عامة للبلد تمتد لمدة ثلاث سنوات تعتمد بصورة شبه كلية على الايرادات النفطية يولد جملة من التحديات, والاختلالات الهيكلية التي تعيق فرص البلد في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة , فضلاً عن تزايد مخاطر تسلل الازمات الاقتصادية العالمية الى الاقتصاد المحلي عبر النفط والسوق النفطية , فالموازنة العامة في الاقتصاد العراقي تلعب دوراً محورياً في تحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي, إلا ان انكشافها بصورة كبيرة على مصدر مرتبط بتقلبات اسواق النفط العالمية يشكل تهديداً خطيراً لكافة الفعاليات الاقتصادية في البلد . وفيما يلي استعراضاً لهذه الاختلالات ومخاطرها.

  • اختلال مصادر التمويل المالي واختلال هيكل الموازنة بشكل خاص.

فمن ناحية الاختلال الاول فيلاحظ ان الايرادات النفطية تمول معظم فقرات الموازنة العامة في البلد, اذ بلغت الايرادات النفطية 88% من اجمالي الايرادات العامة ,في حين شكلت الايرادات غير النفطية قرابة 12% . وهذا يعني ان قدرة الموازنة المالية مرتبطة بنحو رئيس بالموارد النفطية . اما من ناحية الاختلال الثاني فيتجسد في هيمنة النفقات الجارية على النفقات الاستثمارية في الموازنة, حيث استحوذت هذه النفقات على 75% من اجمالي الموازنة فيما خصصت نسبة 25% للنفقات الاستثمارية مع عجز مالي كبير نصت الموازنة على تمويله بالقروض الداخلية والخارجية. هذا الاختلال يعتبر من ابرز التحديات التي تواجه الاقتصادي العراقي فتكريس اعتماد الاقتصاد على الانفاق الحكومي في تحريك مختلف القطاعات الاقتصادية سواء بشكل مباشر او غير مباشر .  جوهر التحدي يكمن في مصدر تمويل الانفاق الحكومي اذ ينكشف هذا الانفاق في موازنة عام 2023 على الايراد النفطي بنسبة وصلت الى 127%  .

  • غياب المثبتات التلقائية .

المثبتات التلقائية هي اليات تتعامل مع عناصر السياسة المالية من اجل تخفيف التقلبات الدورية التي تطال الناتج المحلي الاجمالي وبشكل تلقائي بعيدا عن اجراءات الحكومة, وفي هذه الموازنة لم تتعدى الايرادات الضريبية نسبة 6% من اجمالي الايرادات العامة في حين يفوق الانفاق الحكومي على السلع والخدمات العامة 50% من اجمالي النفقات الحكومية, هذه الحقائق تؤشر الى ضعف التفكير بالمثبتات التلقائية كأدوات للسياسة المالية تسهم في استيعاب الصدمات النفطية في مقابل بروز ظاهرة الركوب المجاني. وهذه الظاهرة هي صفة لصيقة في المجتمع الريعي , اذ يحجم المجتمع عن المساهمة في تمويل كلفة السلع العامة بالرغم من تمتع المجتمع جله بمميزات تلك السلع مجاناً كخدمات الامن ,الدفاع والصحة ,التعليم الطرق السريعة.

  • الترهل والتضخم الوظيفي .

عملت الحكومات المتعاقبة على انتهاج سياسة التوظيف الواسعة غير المرتبطة بالحاجة الفعلية في اقتصاد يعاني من اختلال بنيوي عميق, مما جعل من الموازنات العامة تولد طبقة واسعة من شاغلي الوظائف الحكومية, تتسع بزيادة الإيرادات النفطية ولا يمكن تخفيضها في حقب التدهور الذي يصب هذه الايرادات. وقد كان التوسع الكبير لدور الدولة ولاسيما في جانب الرواتب والاجور على حساب الانفاق الضروري على البنية التحتية ,وكذلك على حساب بناء راس المال الثابت , حيث تشير ورقة الاصلاح البيضاء ان ما بين المدة (2004- 2020) ارتفعت نفقات رواتب الموظفين والمتقاعدين بنحو 400% بالقيمة الحقيقية, وقد ارتفع العدد الاجمالي لموظفي القطاع العام بأكثر من ثلاثة اضعاف.  وقد عكست موازنة عام 2023 هذه السياسة , حيث ارتفعت تعويضات الموظفين من 43.614 ترليون دينار في موازنة عام 2022 الى 59.014 ترليون دينار في موازنة عام 2023 , وهي تعادل اكثر من نصف الموازنة التشغيلية .ان تراكم الاضافات في الرواتب والمخصصات مثل القسط الثابت تقريبا في الشق التشغيلي من الموازنة, مما يعني ان الموازنة التشغيلية في جانبها الانفاقي اصبح مقيد بقسط الرواتب الذي اخذ يتزايد سنويا ً, و يفرض اعباء اضافية على الموازنة و يزيد من تأزم المأزق المالي للبلد.

  • موازنة 2023 ومواصفات الموازنة الهشة .

المنطق الاقتصادي يؤكد ان هناك موازنة يمكن ان يطلق عليها موازنة هشة ليست لها القدرة على تحقيق النمو والاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة , كونها ليست لديها القدرة على القيام بوظائفها المالية بشكل سليم وهذه الهشاشة هي بالأصل مرتبطة  بهشاشة النظام السياسي الذي يعاني من ازماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وينخره الفساد السياسي والمالي والاداري وكذلك بسبب ارتباطها بمصدر واحد للتمويل يتسم بالتقلبات الشديدة والمفاجئة لأرتباطه بعوامل خارجية . ومعلوم ان الموازنة لها دور كبير في معالجة الكثير من المشاكل الاقتصادية ومن اولها معدل النمو الاقتصادي, الذي يعكس اداء القطاعات الاقتصادية المختلفة, ومدى مساهمتها في تكوين الناتج وعدم اقتصار المساهمة على قطاع واحد ,لأن الاحادية تجعل من الاقتصاد مشوهاً ويولد موازنة هشة كما هو حال الاقتصاد والموازنة العراقية التي تطبعت على مصدر واحد في التمويل مرتبط بتقلبات السوق النفطية نتج عنه عدم ارتباط الموازنة بالتنمية الاقتصادية بسبب اعتمادها على التوقعات في اسعار النفط والايرادات العامة وسد العجز عن طريق اصدار حوالات خزينة واصدار سندات وطنية للجمهور, قروض من المصارف التجارية, الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية. والجدول (1) ادناه يوضح بعض مؤشرات الهشاشة في موازنة 2023 .

 

 

جدول (1) بعض المؤشرات الرئيسة لموازنة 2023 %

نسبة النفقات الجارية /النفقات العامة نسبة النفقات الاستثمارية / النفقات العامة نسبة تغطية الايرادات النفطية للنفقات العامة نسبة تغطية الايرادات غير النفطية للنفقات العامة نسبة تغطية الايرادات النفطية للنفقات الجارية نسبة تغطية الايرادات النفطية للنفقات الاستثمارية نسبة تغطية الايرادات النفطية لتعويضات الموظفين نسبة العجز / النفقات العامة نسبة العجز / الايرادات العامة
75.2 24.8 89.06 8.69 78.39 237.05 198.6 32.3 47.9

المصدر : اعداد الباحث بالاعتماد على قانون الموازنة الاتحادية لعام 2023.

  1. 5. تشوه هيكل الدعم الصناعي .

مالم يكن هناك اهتمام بإيجاد صناعة حقيقية تمتلك القدرة على تطوير النمط التكنلوجي السائد, والتكيف مع الانماط التكنلوجية المستوردة وامتلاك المعارف الفنية والوقوف على موقع متقدم في مجال القيمة المضافة وانتاج الابتكار , لن يكون هناك انسلاخ من التبعية الاقتصادية وتحقيق الاستقلال الاقتصادي , ولا يمكن تصور تحقيق هذا التطور في ضل التعاطي الخاطئ مع فهم دور الدولة ودعمها الحكومي. وما لم يتم بناء قطاع خاص قوي وتنموي وليس قطاع يعتاش على الدعم الحكومي السخي واسير مشروعات الربح السريع لن تكون هناك تنمية حقيقية .

ولا يخفى على احد ان الصناعة تنقسم الى ثلاثة اقسام هي صناعة استخراجية وتحويلية وتجميعية وعند النظر الى الجدول (2) الذي يبين ما تم رصده من نفقات لاستيراد الكثير من المشتقات النفطية اذ تم رصد مبلغ مقداره ( 9.421) ترليون دينار على الرغم من وجود النفط الخام في حين كانت الموازنة الاستثمارية للقطاع الصناعي ( 183.350) مليار دينار. وهذا يعني ان البلد حبيس الصناعة الاستخراجية ولا يعطي مؤشرا ايجابيا للتحول الى الصناعة النفطية التحويلية . ان بيع العراق لنفطه الخام بسعر منخفض بمعدل ( 50-70) دولار للبرميل يجعل العراق يخسر الفرصة البديلة في الصناعة التحويلية حيث يمكن ان يتولد عن البرميل الواحد اضعاف القيمة المضافة لو دخل في دورة التصفية .

 

 

  1. 6. تشوه هيكل الدعم الزراعي

يذكر الاقتصادي فرانسوا بيرو في عبارته الشهيرة ( اي الصناعات ندعم واي الزراعات ؟قائلاً في اجابته علينا ان ندعم اي صناعات مرتبطة باي زراعات ) وهي دعوة لتعزيز التشابك القطاعي وهذا لا يكون إلا من خلال اصلاح هيكل الدعم الموجه للقطاع الزراعي وفي العراق يتشابه القطاعان الصناعي والزراعي حيث انهما حبيسان لمرحلة الصناعة الاستخراجية فالقطاع الزراعي فيه زراعات حبيسة المرحلة الاستخراجية ( المرحلة الاولية ) اي انتاج الارض للمحصول الخام الذي يباع كمحصول خام وتنتهي دورة حياته عند هذه المرحلة, وذلك بسبب غياب الرؤية والتفكير والامكانيات لدى المزارعين لبلوغ  المراحل اللاحقة. كون المزارعين يحصلون على مدخلات انتاج مدعومة وشبه مجانية دون التحول الى تقنيات الانتاج الاكثر كلفة كتقنيات الري و البذار, تقنيات التسميد والجني تقنيات تحسين النوع تقنيات الخزن والنقل . ان ابرز مظاهر تشوه دعم القطاع الزراعي في موازنة 2023 هو ما تم رصده من نفقات الى هذا القطاع بلغت (1.125) ترليون دينار تحت عناوين المبادرة الزراعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى