حين تتحول الدراما إلى سلاح طائفي… ومن كان بيته من زجاج فلا يرشق الناس بالحجر
بقلم/ الكاتب والناقد السياسي حسن درباش العامري

أيُّ فنٍّ هذا الذي يزرع في وعي الناس إيحاءً خبيثًا بأن مذهبًا بعينه بات مظلةً يُختبأ تحتها الفساد، وأن الشعائر الدينية يمكن أن تتحول إلى ستار للرذيلة؟
أي معالجة هذه التي تُقحم الزيارات والأضرحة في مشاهد مُحمّلة برسائل مبطّنة، توحي للصغير قبل الكبير أن التدين غطاء أخلاقي هش؟
لسنا أمام نقد اجتماعي بريء، بل أمام هندسة سردية تختار بعناية من يكون الفاسد، ومن يكون المنقذ.
لماذا يُرسم “المنقذ” دائمًا من جهة واحدة، وكأن الفضيلة حكرٌ عليها؟
ولماذا يُترك الطرف الآخر في زاوية الاتهام الضمني، وكأن الانحراف صفة ملازمة لهويته؟
هذا ليس صدفة فنية… هذا توزيع أدوار مسبق.
إن كان الهدف معالجة الفساد، فليُطرح كفساد بشري لا مذهبي.
وإن كان الهدف كشف انحراف، فليُحمَّل للفرد لا للطائفة.
أما أن تتحول الشاشة إلى منصة إيحاء بأن زيارة مقدسة يمكن أن تكون غطاءً لزنا، وأن بيئة كاملة تتستر على الرذيلة، فذلك عبث خطير بصورة مجتمع كامل.
أنا قاصّ اضافة الى كوني كاتب سياسي.
وأملك القدرة – إن أردت – أن أكتب مئات، بل آلاف القصص التي يمكن أن تتحول إلى مسلسلات صاخبة. أستطيع أن أستعير أحداثًا حقيقية من أيام احتلال داعش الإرهابي، أن أفتح ملفات موجعة كقضية ما سُمّي بـ“جهاد النكاح”، وأن أبني سردًا دراميًا يجعل “المتستر” هذه المرة ابن الجنوب الذي جاء يحمل دمه لتحرير الأرض، فيما كان آخرون يفرّون بحثًا عن الأمان.
أستطيع أن أقلب المشهد رأسًا على عقب، وأن أقدّم بطولةً من جهة، وخذلانًا من جهة أخرى، مستندًا إلى وقائع يعرفها الجميع.
لكن هل هذه هي الرسالة التي ينبغي أن يحملها الفن؟ هل يفترض ان نسئ لبعضنا ونسيئ لاسم العراق وتأريخة وهيبته ؟؟
إذا أردنا استدعاء الجراح، فجراحنا كثيرة.
وإذا أردنا نبش الذاكرة، فهي مليئة بصور البطولة كما هي مليئة بصور الانكسار.
في كل طائفة شجعان وجبناء، نبلاء ومنحرفون.
ولا أحد يملك صكّ الفضيلة، كما لا أحد يُورَّث الرذيلة.
من كان بيته من زجاج، فلا يرشق الناس بالحجر.
فالوقائع لا تُختزل، والذاكرة لا تُحتكر، والسرد إن انحاز اليوم لطرف، قد يُستَخدم غدًا ضده.
الفن الحقيقي لا يُعمّق الاصطفاف، بل يكشف الإنسان في ضعفه وقوته دون أن يحوّل هويته إلى تهمة.
أما الدراما التي تختار زاوية واحدة لتُدين جماعة وتُبرئ أخرى، فهي لا تبني وعيًا… بل تصنع شرخًا.
لسنا ضد الجرأة.
لسنا ضد كشف الفساد.
لكننا ضد تعميمه على هوية، وضد احتكار الأخلاق لطائفة.
العراق لم يخرج من أتون الإرهاب ليُختصر في صورة نمطية على شاشة.
ومن يملك الكاميرا، يملك القدرة على البناء كما يملك القدرة على الهدم.
والتاريخ لن يذكر الضجة…
بل سيذكر من جعل الفن جسرًا، ومن جعله حجرًا يُرمى به الآخرون.



