مقالات

شرعية الاختلاف

كتب رياض الفرطوسي

الاختلاف ليس نزوة فكرية، بل هو سرّ الوجود. به تنوّعت الكائنات، وبه تفرّدت الأرواح، وبه قامت الأرض والسماء على تناغم لا يتكرّر. لو شاء الله البشر نسخاً متماثلة، لما أبدع هذا الفيض من الوجوه، ولما وهب كل إنسان قلباً لا يشبه الآخر. “الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق” كما قال ابن عربي، فما بالنا بالطرق إلى الحقيقة في الأرض؟

المثقف المختلف إذن ليس خارجاً عن الجماعة، بل قلبها النابض الذي يذكّرها بما نسيت. هو أشبه بالحلاج يوم قال: “أنا الحق”، فارتجف السلاطين لا لأن في العبارة جنوناً، بل لأن فيها فضيحة: الحقيقة ليست ملكاً لهم، بل في الروح التي تجرؤ على إعلانها.

السلطة تخاف المختلف لأنه لا يطيع، والجماعة المستنسخة تخشاه لأنه يكشف فراغها. هو الوحيد الذي يجرؤ أن يقف في مواجهة البداهة ويقول: هذا ليس قدراً، بل صناعة. يشك حيث يتيقنون، ويكشف حيث يحجبون. لذلك يبدو وحيداً، لكنه في حقيقته أقرب إلى جلال الدين الرومي حين قال: “إن كنتَ تبحث عن بيت، فأنتَ البيت”. المثقف المختلف هو بيت الحقيقة، حتى لو بقي وحده.

نغني في قوارب النجاة قبل الغرق، لا لنؤكد العدم، بل لنقاومه. نغني لأن الغناء وصية، ولأن المعنى أثمن من البقاء. إن المثقف المختلف هو العازف الأخير فوق سفينة التيتانيك، عزفه لا يوقف البحر، لكنه يحرس الكرامة من الغرق. وكأنما يردد مع الرومي: “حين تموت الموسيقى في قلب إنسان، يموت شيء في قلب الكون”.

ولذلك فإن شرعية الاختلاف ليست مجرد شعار، بل هي الشرعية الوحيدة التي تصون كرامة الفكر، وتمنح المجتمع القدرة على تجديد روحه. المختلف ليس منبتّاً ولا معزولاً، بل هو البذرة الساكنة في باطن الأرض، التي تبدو بلا صوت، لكنها وحدها تعد بالربيع.

هو فضيحة النسخ، ووعد الحياة، ووصية الأمل الأخيرة. فإذا انفضّ موكب الزيف، ولم يبق سوى صمت التاريخ، سيظل المختلف علامة مضيئة، مثل صوفي يجلس على حافة الوجود ويبتسم: لأن الحقيقة لا تغرق، ولأن شرعية الاختلاف هي آخر ما ينجو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى