ثقافية

النقد بين الموضوعية والفردية 

بقلم : رياض الفرطوسي

لو حاولت تمزيق صورة معينة وطلبت من الاخرين بعد ذلك التعرف على هوية صاحب هذه الصورة ستكتشف اجابات مختلفة بين من يتعرف على جزء من الصورة او على بعض ملامحها او زاوية محددة فيها ‘ وبمجرد ان تقوم بأعادة ترتيبها او لصقها من جديد سيتمكن الجميع من التعرف عليها وعلى صاحبها ‘ وحسب علماء النفس هذا يؤكد الجانب الاختزالي لرؤيتنا للاشياء وهي رؤية تقوم على قراءة وجه محدد من الحقيقة لا على الابعاد الكلية والشاملة للصورة .الواقع العراقي على مستوى نقدي يعيش هذه الاشكالية وهو افتقاد القدرة الذهنية في التحليل والنقد ‘ اذ من الصعوبة بمكان ان تجد او تكتشف علاقة كاملة ومترابطة على مستوى نقدي بسبب النظرة السطحية والاعتماد على الصورة كحدث مباشر مفرغ من المضامين الداخلية ومن خلال ذلك تبدا عملية اطلاق الاحكام التي عادة ما تكون بين اتجاهين ‘ اما ان يكون مدحا لا يقوم على الوعي  او قدحا تبسيطيا . لا يمكن نقد الوعي الاختزالي لانه عادة مفرغ من المشاعر الانسانية ومبنية على مجموعة من التناقضات والتشوهات الحادة واحيانا يرفض الاعتراف بحالته هذه . يلجأ هذا النموذج الى الاستعراض والظهور ومن خلال ذلك يمارس صناعة شخصيته فهو لا يشعر بالندم على شي لكنك تراه قلق ومتردد ويتمتع بعقلية وذهنية تحتكر الحقيقة والاشياء. هذه العقلية تقوم على ثقافة الوصم والعداء والكراهية ووضع الخصوم في خانة محددة بطريقة قطعية وصارمة . فهو ينتزع الوقائع من سياقها الموضوعي ويحللها او يفسرها على اساس مضامين مصلحية او تآمرية ذات هدف معين. وبالمناسبة هذه الشخصيات تكاد تتناسل في كل عصر وزمان ‘ فهو ليس فردا وانما ظاهرة اجتماعية متوارثة عبر عصور زمنية غابرة . ان ما يكتبه او يقوله بحاجة الى تفكيك نقدي خاصة اذا دققنا في مستوى ردود الفعل والقسوة المباشرة . نحن شعب تعرض لحروب وويلات وانتهاكات من خلال قرارات خاطئة تقوم على الارتجال ولا تقوم على اساس نقد الواقع بطريقة ايجابية تقويمية من اجل انتاج وعي سياسي بمضامين ومفاهيم جديدة تأخذ مداها في سلطة القانون . حينما لا تتسع حدود المسافة بين المسؤول والفقير وعامل البناء وبائع البسطية والعاطل عن العمل ‘ وبين المسؤول والمقهى والمنتدى الثقافي والفني والاجتماعي ( ولا يتحول المسؤول الى ظاهرة استعراضية لاخذ الصور والكشخة واختيار ارقام مميزة لسيارته وهاتفه ‘ ويتحدث عن انجازات لا وجود لها على ارض الواقع ) وتصبح هذه المسافة قصيرة تسمح بالحوار والنقد البناء ‘  حينها نستطيع ان نمسك خيط التغيير والبناء والوضوح والصراحة والمكاشفة من اجل انتاج سلطة بمضامين قانونية ومؤسساتية وسلوكية . وعليه لا عناد مع النقد لاننا نعالج فرضيات متغيرة حسب الواقع ومتغيراته المستمرة لانه ما يصح اليوم قد لا يصح غدا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى