مقالات

خرائط العراق القادمة

كتب رياض الفرطوسي

(الجزء الثالث)

بين الحلم والواقع… سيناريو الدمى الروسية

في التخطيط الاستراتيجي، كثيراً ما نغرق في أحلام المستقبل المرغوب. نرسم رؤية مثالية، نكتبها بخط عريض، ونفترض أن العالم سيصطف كما نرسمه على الورق.

لكن الواقع في العراق، كما في كل مكان، أكثر تعقيداً. المستقبل لا يأتي كما نريد. فهو ليس طريقاً مستقيماً بين النية والنتيجة، بل شبكة من الاحتمالات، بعضها واضح، وبعضها الآخر مخفي خلف تحولات لا يمكن التنبؤ بها.

هنا يأتي دور الاستشراف الحقيقي: لا يتعامل مع مستقبل واحد، بل مع (مستقبلات). ليس سؤالاً عن ماذا نريد فقط، بل عن ماذا يمكن أن يحدث.

يمكن أن يكون السيناريو المتشائم واقعًا محتملًا، والسيناريو المتفائل جداً ممكناً ، لكن ما هو الأكثر احتمالًا غالبًا هو ما نسميه سيناريو الدمى الروسية.

كما الدمية التي تحتوي أخرى داخلها، ثم أخرى، ثم أخرى… المستقبل الأكثر ترجيحاً ليس ثورة مفاجئة، ولا انهياراً درامياً، بل نمو تدريجي، تحسينات متراكمة، مكتسبات تتوسع ببطء.

في القطاع غير الربحي العراقي، هذا يعني:

المزيد من التشريعات الداعمة، خطوة خطوة نحو إطار قانوني أكثر وضوحاً ومرونة.

المزيد من التمويل المستدام، من مزيج التمويل المحلي والدولي، يقلل من الاعتماد على جهة واحدة.

المزيد من التكنولوجيا والتحول الرقمي، استخدام ذكي للتقنيات المالية، إدارة المتطوعين، وتحليل بيانات المجتمع.

المزيد من الحوكمة والشفافية، بحيث تصبح الثقة رأس المال الحقيقي للقطاع.

المزيد من وعي المجتمع وتطوعه، تفاعل أجيال الشباب المختلفة مع المبادرات والمشاريع بطريقة مسؤولة وملموسة.

التقدم هنا ليس مفاجئاً، لكنه ثابت. مكتسبات كل محرك تتداخل مع الآخر، وكل خطوة صغيرة تفتح المجال لخطوة أكبر في المستقبل.

إذا نظرنا إلى عام 2035 من منظور سيناريو الدمى الروسية، نرى قطاعاً غير ربحي أكثر نضجاً، أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر انسجاماً مع المجتمع الذي يخدمه. ليس هناك انتصار سريع، ولا فشل كارثي، بل سلسلة من المكاسب الصغيرة التي تصنع مستقبلاً متوازناً ومستداماً.

صناعة الغد، إذن، ليست عن الحلم وحده، بل عن اتخاذ القرار الصحيح اليوم، وفهم الاحتمالات، والعمل بثبات نحو مستقبل يمكن للعراق أن يفتخر به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى