سياسيةعراقية

سؤال أميركي .. لماذا فشلت “الفيدرالية” داخل العراق ؟

متابعات / مركز تبيين للدراسات الستراتيجية  

اعتبر موقع “مشروع أبحاث ومعلومات الشرق الأوسط” الأميركي؛ المتخصص بقضايا الشرق الأوسط، أن مؤيدي قيام النظام الفيدرالي (اتحادي) في “العراق”، لم يتمكنوا من تحقيق فوزٍ سوى على الورق، وذلك لأسباب داخلية، من بينها عدم استقرار العلاقة بين “أربيل” و”بغداد”، بالإضافة إلى مركزية السلطات في “العراق” الاتحادي.

وبداية؛ أشار التقرير الأميركي؛ إلى أن تحويل الدولة العراقية المركزية إلى دولة فيدرالية؛ (اتحادية)، كان أحد أكثر الأهداف السياسية المُلحّة لمهندسي وما يُسّمى: “بناة الأمة”، الذين كانوا وراء الغزو الأميركي في العام 2003.

انتصار على الورق فقط..

وأشار التقرير إلى أن أنصار النظام الفيدرالي؛ مثل الحزب (الديمقراطي الكُردستاني) و(الاتحاد الوطني الكُردستاني)، اعتبروا أنه الحل السّحري الذي سيُتيّح معالجة الأزمات المرتبطة بتوفير الخدمات العامة وحماية الهويات، في حين أنه في المقابل، يعتّبر معارضو النظام الفيدرالي أنه سيُسّاهم في تعميق الانقسامات في بلد منقسّم بالفعل؛ وسيكون بمثابة وسيلة تؤدي إلى الانفصال.

إلا أن التقرير الأميركي؛ رأى أن مؤيدي الفيدرالية فازوا على الورق على الأقل، موضحًا أنه في العام 2005، تم تكريسّ الفيدرالية في الدستور، لكن مع مرور 20 عامًا، تبيّن جمود النظام.

وبعدما أشار التقرير إلى أن “العراق” يتألف حاليًا من: 18 محافظة، إلا أن ثلاثًا منها فقط؛ وهي: “دهوك وأربيل والسليمانية”، جرى دمجّها في “إقليم للحكم الذاتي”؛ هو “إقليم كُردستان”، الذي لديه برلمان خاص به ووزارات ورئيس للإقليم، أوضح أن المحافظات: الـ 15 الأخرى مرتبطة بعلاقة مركزية مع “بغداد” برغم أن لكل منها محافظ ومجلس محلي.

وتابع قائلاً؛ إن المحافظات التي حاولت تشكيل إقليمها الخاص على مدى العقدين الماضيين، واجهت عقبات مختلفة من كل من الحكومة المركزية ومن “إقليم كُردستان”، وهو ما يعني أن الوعود بتحقيق الفيدرالية ليسّت متسّاوية ولا قابلة للتحقق.

منذ “منطقة الحظر الجوي”..

إلى ذلك؛ أشار التقرير أن الضغوط من أجل الفكرة الفيدرالية تعود إلى ما قبل العام 2003، مّذكرًا بتمرد المحافظات الـ 09؛ والتي تضم أغلبية شيعية؛ بالإضافة إلى “كُردستان وكركوك”، على الرئيس “صدام حسين”؛ وحزب (البعث)، في العام 1991، بانتفاضة بعد هزيمته في حرب احتلال “الكويت”، وبسبب تراكم المظالم الاقتصادية والسياسية داخل المجتمعات الشيعية والكُردية المضطهدة، فجرى إنشاء منطقة الحظر الجوي شمالاً وجنوبًا، لكن المحافظات الكُردية تمكنت من إنشاء مؤسسات سياسية خاصة بها، واستمر الشيعة في العيش تحت وطأة القمع والانتقام البعثي طوال 12 عامًا أخرى.

وأوضح التقرير الأميركي؛ أن “الفيدرالية” ظلت قضية مهمة للعديد من قادة المعارضة في المنفى، مثل: “جلال الطالباني وأحمد الجلبي”؛ فيما بعد العام 1991، وطرحوا هذه القضية مرارًا في المؤتمرات التي نُظمت في “الولايات المتحدة” و”كُردستان العراق”، وهي قضية تعّززت بفعل حملة “صدام حسين” للتطهير العرقي ضد الكُرد؛ بحسّب تصورات الموقع الأميركي.

أسباب إخفاق الكُرد..

لكن التقرير لفت إلى وجود دول محيطة لديها علاقات مثيرة للخلافات مع مواطنيها الكُرد، ولهذا لم يتمكن الكُرد سوى من أجل إنشاء حكم ذاتي ضمن “العراق الاتحادي”، كما أن “الولايات المتحدة” في المرحلة التي سبقت غزو العام 2003 وما بعده، أعطت الأولوية لسياسة “عراقٍ موحد”، وذلك بهدف إرضاء “تركيا”، حليفها في الـ (ناتو).

ثم ذّكر التقرير بمرحلة العام 2005؛ عندما أقرت الأحزاب العراقية بكتابة الدستور الجديد، ووافقت على الوضع الخاص لـ”كُردستان” وإنشاء الإقليم المعُترف به دستوريًا، إلا إنها لم تتمكن من الاتفاق على ما إذا كان ينبغي تخصّيص وضع مماثل للمحافظات الأخرى.

وتابع أن أحد الاستثناءات كان “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية”؛ في “العراق”، الذي كان له علاقات وثيقة مع الأحزاب الكُردية، مشيرًا إلى أن الحزب اقترح إنشاء إقليم واحد يضم: 09 محافظات بها أغلبية شيعية في الجنوب، وهي محاولة لم تنجح في نهاية المطاف.

واستكمل التقرير أن الأحزاب الكُردية، مثل الحزب (الديمقراطي الكُردستاني) و(الاتحاد الوطني الكُردستاني) كان لها تأثيرها على صياغة الدستور، وهي أيدت قيام دولة اتحادية تعترف بـ”كُردستان” كإقليم، وتسّمح للمحافظات الأخرى (باستثناء بغداد) لتُصبح أقاليم.

أما الأحزاب السياسية السُنية، مثل الحزب (الإسلامي العراقي)؛ الذي قاطع في البداية انتخابات اللجنة الدستورية، فقد انخرط في عملية صياغة الدستور، مضيفًا أن هذه الأحزاب عارضت لغة الفيدرالية.

وتابع التقرير أنه خلال استفتاء العام 2005، صّوتت ثلاث محافظات سُنية، هي: “الأنبار ونينوى وصلاح الدين”؛ على رفض الدستور الجديد، إلا أن أصواتها لم تكن كافية لمنع تبنّيه.

وتابع التقرير أن الوثيقة النهائية المُصّادق عليها؛ في تشرين أول/أكتوبر العام 2005، تنص على إنشاء نظام فيدرالي: “يتكون من عاصمة وأقاليم ومحافظات لامركزية، بالإضافة إلى إدارات محلية”. ونصت المادة (117) على الاعتراف بـ”كُردستان” كإقليم ضمن “العراق”. كما نص الدستور على إنشاء أقاليم جديدة. لكن المادة (119) حددت طريقتين لإجراء استفتاء؛ على أن تُصّبح المحافظة إقليمًا، وهما من خلال جمع تواقيع: 10% من الناخبين في المحافظة أو الحصول على موافقة ثُلث أعضاء مجلس المحافظة.

وأضاف التقرير أنه في كلتا الحالتين، يجب أن تُشارك “المفوضية العُليا المستقلة للانتخابات”، في الاستفتاء.

لا أقاليم جديدة..

وذكر التقرير الأميركي؛ أن العديد من المحافظات حاولت أن تكتسّب صفة الإقليم خلال السنوات الثماني التي قضاها رئيس الوزراء السابق؛ “نوري المالكي”، في المنصب بين عامي: 2006 و2014، إلا أن ذلك لم ينجح، مشيرًا بذلك إلى ما جرى فيما يتعلق بمحافظة “البصرة” الغنية بثرواتها النفطية، لكنها تُعاني من الإهمال، وذلك في العام 2008.

ولفت التقرير إلى أنه كان هناك خشية في “بغداد” من خسّارة الموارد المالية في حال سّيطر: “إقليم البصرة” على عائدات النفطية، مثلما هو الحال في بعض الأحيان فيما يتعلق بـ”إقليم كُردستان”.

وأشار التقرير إلى أنه ما تزال هناك دعوات من أجل: “أقلمّة” البصرة، وإلى أن محافظات أخرى مثل: “ديالى وصلاح الدين”؛ في وسط “العراق”، جرى منعها من إجراء استفتاء خلال فترة حكم “المالكي”.

وذكر التقرير بأن الأحزاب السياسية الشيعية الرئيسة، بما في ذلك حزب (الدعوة)؛ بزعامة “المالكي”، عارضت إضفاء صفة الإقليم على هذه المحافظات؛ على الرغم من أن أحد الأحزاب، (المجلس الأعلى الإسلامي) العراقي؛ الذي كان يُسّمى سابقًا (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية)، حاول هو أيضًا تشكيل إقليم.

وتابع التقرير الأميركي؛ أن زعماء سياسيين في “بغداد” قالوا أن الضغط من أجل إقامة أقاليم في: “ديالى وصلاح الدين”، سيؤدي إلى إضعاف الحكومة الاتحادية. كما رفض هؤلاء الزعماء إجراء استفتاء على أساس أنه كان مدفوعًا بالطائفية؛ (باعتبار أن المحافظتين بهما غالبية سُنية).

كما لفت التقرير إلى أنه من العقبات الأخرى التي حالت دون التمكن من إجراء “ديالى وصلاح الدين” الاستفتاء؛ أن المحافظتين تضمان أراضٍ متنازع عليها بين حكومة “إقليم كُردستان” والحكومة الاتحادية.

وأشار التقرير إلى أن قضية المناطق المتنازع كانت عليها ما تزال بمثابة شوكة في العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، مذكرًا بأن دستور العام 2005؛ ينص على إجراء استفتاء بحلول 31 كانون أول/ديسمبر 2007، لتحديد وضع “كركوك” وغيرها من المناطق المتنّازع عليها، وهوما لم يتم حتى الآن.

مستقبل الفيدرالية..

وخّلص التقرير إلى القول أنه برغم الضغوط لتطبيق “الفيدرالية”؛ من جانب الحزب (الديمقراطي الكُردستاني) و(الاتحاد الوطني) و(المجلس الأعلى الإسلامي) العراقي، فإنه لم تحدث تغييّرات على التركيبة الفيدرالية لـ”العراق”؛ بخلاف تكريّس “كُردستان” كإقليم في الدستور.

وأشار إلى أن الذين يخشون الفيدرالية يعتّبرون إنها مجرد خطوة واحدة عن الانفصال، مضيفًا أن هذه المخاوف تعّززت بعد استفتاء الاستقلال في “إقليم كُردستان”؛ في 25 أيلول/سبتمبر من العام 2017، والذي شمل أيضًا المناطق المتنّازع عليها.

وتابع التقرير أنه برغم أن “بغداد” رفضت الاستفتاء ونتائجه، بينما أكدت حكومة الإقليم أن الاستفتاء ليس مُلزمًا، إلا أنه برغم ذلك، عّزز الاعتقاد بين العديد من العراقيين بأن التحول إلى إقليم هو الخطوة الأولى نحو الاستقلال.

وختم التقرير الأميركي؛ بالقول أنه إلى جانب العقبات السياسية والمقاومة من جانب الحكومة المركزية للتخلي عن سّيطرتها على الموارد، فإن “العراق” يفتقر إلى وجود مؤسسات الحكم اللامركزي.

وأوضح أنه حتى عندما ضغط رؤساء الحكومات من أجل تحقيق اللامركزية؛ في بعض الوزارات الاتحادية، على غرار ما فعله؛ “حيدر العبادي”، مع العديد من الوزارات بين الأعوام: (2014 – 2018)، فإن المحافظات إما إنها كانت تُعاني من مشكلات تتعلق بتحديد المسؤوليات، أو أن الوزارات في “بغداد” كانت ترفض تفويض صلاحيات السلطات.

واعتبر التقرير أنه إلى أن تسّتقر العلاقة بين “بغداد” و”كُردستان”؛ ويتم تسّوية الخلافات الطويلة بينهما، فإنه من غير المُرجّح ان تتشّكل أقاليم جديدة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى